البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
سيرة ملوك وأمراء المملكة
الروايات الشفوية من المصادر ...
تاريخ الملك عبدالعزيز
رصد عهد الملك سعود ...
المزيد ....
دعم المملكة للقضية الفلسطينية
دعم القضية الفلسطينية
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول الغربية
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
وضع البيان أسس للسياسة ...
دور المملكة بين دول ...
المزيد ....
الاتفاقيات والعلاقات الدولية
السياسة الخارجية في عهد ...
بتطوير وتنظيم علاقات المملكة ...
وزارة الخارجية (تنظيمها)
المزيد ....
 
اسم الكتاب: المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين
اسم المؤلف: عبدالفتاح حسن أبو علية / رفيق شاكر النتشة
بيانات النشر: مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض
سنة النشر: 1419هـ/1998م
 
عودة لمؤلفات (المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين) معلومات عن المصدر
المسار



<< 366 >> الملك فيصل ومعركة النفط:

كان النفط - وما يزال - أهم سلعة إستراتيجية تقوم عليها اقتصاديات معظم الدول في العالم، وعلى الأخص الدول الرأسمالية، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية. وإذا كانت الدول - وبخاصة العظمى منها - قد استخدمت القمح القوت الرئيس للناس، وكذلك استعملت الألعاب الأوليمبية في علاقاتها السياسية والدولية، فليس غريبا أن تقوم أي دولة عربية نفطية باستخدام النفط للدفاع عن الحق العربي بعامة والفلسطيني بخاصة. وبما أن المملكة العربية السعودية كانت - ولا تزال - من أهم الدول المنتجة للنفط في العالم، كان من الطبيعي أن يكون قرارها باستخدام النفط سلاحا في المعركة ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد من يؤيدون هذا الاحتلال. وهو من أهم القرارات السياسية التي اتخذها العرب في المواجهة ضد الصهيونية والاستعمار. ولقد كان الملك فيصل هو الفارس الأول الذي خاض معركة مواجهة ضد الاحتلال الصهيوني مع أشقائه العرب والمسلمين، متسلحا بأهم الأسلحة الاقتصادية وهو النفط. فمنذ توليه الحكم وهو يعلن عن استعداد بلاده لاستعمال النفط سلاحا في المعركة، فقد أذاع راديو المملكة العربية السعودية في 25 ذي القعدة 1384هـ / 28 مارس 1965م تصريحا للملك فيصل بن عبدالعزيز جاء فيه: "إننا نعتبر قضية فلسطين قضيتنا وقضية العرب الأولى، وإن فلسطين بالنسبة لنا أغلى من البترول كسلاح في المعركة إذا دعت الضرورة لذلك، وإن الشعب الفلسطيني لا بد وأن يعود إلى وطنه حتى ولو كلفنا ذلك أرواحنا جميعا".

‌‌ << 367 >> عندما نشبت حرب عام 1378هـ / حزيران 1967م، واحتلت إسرائيل الأرض الفلسطينية كلها، وسيناء والجولان، وجزءا من لبنان، كانت هناك دعوات لقطع لنفط وأخرى لاستمرار تدفقه مع استخدام جزء من عائداته لدعم الصمود العربي وتقوية الجيوش العربية لتحرير الأراضي العربية المحتلة. وقد حسم الملك فيصل هذا الأمر في مؤتمر قمة الخرطوم الذي عقد في جمادى الأولى 1387هـ / أغسطس 1967م وتقرر فيه دفع مبلغ (135) مليون جنيه إسترليني سنويا، التزمت المملكة العربية السعودية بدفع مبلغ (50) مليون جنيه إسترليني منها، والتزمت الكويت بدفع مبلغ (55) مليون جنيه إسترليني، وليبيا (30) مليون جنيه إسترليني.

وظلت سياسة المملكة العربية السعودية ثابتة منذ حرب عام 1387هـ / حزيران 1967م حتى حرب رمضان 1393هـ / أكتوبر 1973م تجاه مسألة الاستخدام الإيجابي للنفط في تنفيذ التزاماتها بدعم دول الصمود من عائدات النفط. وعندما نشبت حرب رمضان عام 1393هـ / أكتوبر 1973م تطور موقف المملكة العربية السعودية باتجاه استخدام النفط في المعركة بصورة أكثر تأثيرا في الدول المستهلكة للنفط. فقد بدأت المملكة على ضوء سياسة الملك فيصل النفطية بتقليص إنتاج النفط إلى 10%، وبالإضافة إلى هذه الخطوة صرح وزير النفط السعودي للولايات المتحدة الأمريكية أن المملكة العربية السعودية لن تزيد إنتاجها الحالي من النفط، ما لم تبدل واشنطن موقفها المؤيد لإسرائيل وأشارت صحيفة واشنطن بوست << 368 >> التي نشرت الخبر إلى أن هذه هي أول مرة تربط فيها السعودية علنا بين تصدير نفطها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبين سياسة واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي مقابلة مع محطة التليفزيون الأمريكية N. B. C أجريت مع الملك فيصل في 16 جمادى الثانية 1393هـ / 16 يوليو 1973م، بثت في 7 رمضان / 4 أكتوبر عبر الملك فيصل عن خشية بلاده من أن تؤثر سياسة الولايات المتحدة المساندة لإسرائيل في علاقاتها بالمملكة العربية السعودية. وهدد صراحة باستخدام سلاح النفط قائلا: "إننا لا نرغب في فرض أية قيود على صادراتنا من النفط إلى الولايات المتحدة ولكن - كما ذكرت - فإن الولايات المتحدة بدعمها الكامل للصهيونية ضد العرب، تجعل من استمرار تزويدنا حاجات الولايات المتحدة أمرا بالغ الصعوبة".

أوضح الملك فيصل لجريدة النهار البيروتية، أن أمريكا هي التي تقوي إسرائيل وتجعلها ترفض السلام، وأن أمريكا هي المسؤولة عن تصحيح الوضع، وعندما لا تستجيب لهذا الطلب فإن السعودية ستنظر في موضوع تخفيض إنتاج النفط أو تجميده من زاوية مصالحها الذاتية المجردة. وعندما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية في رمضان 1393هـ / أكتوبر 1973م وضع الملك فيصل الجيش السعودي << 369 >> على أهبة الاستعداد لمواجهة ظروف المعركة، وأرسل رسالة عاجلة مع السيد عمر السقاف وزير الدولة للشؤون الخارجية في 14 رمضان 1393هـ / 10 أكتوبر 1973م إلى كل من دمشق والقاهرة، حيث أعرب السقاف للبلدين الشقيقين عن وقوف المملكة العربية السعودية بكل إمكاناتها إلى جانب الأشقاء العرب.

استمرت السياسة الأمريكية في تجاهل طلبات كل أصدقائها العرب، فقامت علنا بدعم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. ولما أقامت جسرا جويا لتزويد إسرائيل بالسلاح في حرب عام 1393هـ / 1973م عمدت السعودية وسائر البلاد العربية إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزما، فأعلنت البلاد العربية تباعا وقف ضخ النفط إلى الولايات المتحدة، ومن ثم إلى هولندا التي اتخذت موقفا مواليا لإسرائيل. كما فرض حظر تصدير النفط الخام إلى جميع معامل التكرير التي تصدر مشتقات النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو بيعها إلى الأسطول البحري الحربي الأمريكي.

وكانت المملكة العربية السعودية قد أعلنت وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مبررة ذلك بازدياد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل. واستشاطت أمريكا غضبا من هذه الخطوة الجريئة التي لم تكن تتوقعها، والتي أدت إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، كما أدت إلى إرباك الاقتصاد الرأسمالي الغربي عموما، ذلك << 370 >> الاقتصاد الذي يعتمد على النفط بصورة أساسية في تحريك عجلته على كافة المستويات، وفي مختلف القطاعات الصناعية والاقتصادية.

تحركت أمريكا، وأرسلت وزير خارجيتها هنري كيسنجر Henry Kissinger لمقابلة الملك في 13 شوال 1392هـ / 8 نوفمبر 1973م ليتباحث مع الملك في ثلاث نقاط أساسية: النفط، والقدس، وشؤون فلسطين والفلسطينيين. وأكدت مصادر صحفية أن الملك فيصل أصر على عروبة القدس.

وقد أدت تلك الخطوة إلى إطلاق الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها الأوروبيين تهديدات باستخدام القوة لاحتلال منابع النفط العربية إذا استمر الحظر، وحملت الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية مسؤولية ذلك الوضع المتردي في الاقتصاد الغربي. وقد جاء هذا التهديد ضمن رسالة بعث بها الرئيس الأمريكي نيكسون Nixson إلى الملك فيصل بن عبدالعزيز. كما أرسل وزير الخارجية الأمريكية إلى نظيره السعودي عمر السقاف رسالة يحتج فيها بشدة على وقف تصدير النفط، وما ترتب عليه من آثار سلبية على اقتصاد العالم والنظام النقدي الدولي ولقد توالت الضغوط الأمريكية والغربية عموما على الملك فيصل للتراجع عن موقفه هذا، وأشار إلى تلك الضغوط إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصرية الذي قال: "إن الملك فيصل رفض الاستجابة للمطالب الأمريكية".

‌‌ << 371 >> وارتفعت لهجة التحدي والتهديد بين الولايات المتحدة الأمريكية والملك فيصل إلى الدرجة التي دعت الملك فيصل للرد على هنري كيسنجر بعنف قائلا: "لن نرفع الحظر على شحن النفط إلى الولايات المتحدة، ولن نعيد إنتاجنا إلى ما كان عليه سابقا، ما لم تنته مفاوضات السلام نهاية ناجحة يتحقق على إثرها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني". وقد شدد الملك فيصل على ضرورة إعادة القدس العربية إلى العرب ورفض فكرة تدويل القدس والأماكن المقدسة ".

نلحظ من هذه الحقائق والدلالات التاريخية أن الملك فيصل لم يكن حاكما عاديا، بل كان زعيما عربيا أصيلا مميزا، حمل المسؤولية، وتصدى للدفاع عن القضايا العربية والإسلامية بأمانة ومسؤولية، وكان أهم ما تميز به جهاده الكبير هو الدفاع عن القضية الفلسطينية والقدس والأماكن المقدسة بخاصة، وكانت مواجهته للاحتلال الإسرائيلي والقوى الاستعمارية التي تدعمه مواجهة شرسة محفوفة بالمخاطر التي لم يكن يأبه لها؛ لأنه كان يعتبر نفسه مجاهدا في سبيل الله، وكان يردد ذلك في كثير من المناسبات، ومنها خطابه في موسم حج عام 1389هـ / 1969م والذي جاء فيه مخاطبا الحجاج: "إن القدس يناديكم ويستغيثكم، لتنقذوه من محنته، ومما ابتلي به، نريد الموت مجاهدين في سبيل الله - أيها << 372 >> الإخوة المسلمون - وأرجو الله سبحانه وتعالى إذا كتب لي الموت أن يميتني شهيدا في سبيل الله".

هكذا أصبح وجود الملك فيصل كما كان يشاع في الأوساط الدولية المعنية عقبة في طريق تنفيذ المخططات المرسومة ضد العرب وضد القضية الفلسطينية، مما جعله في نظر أعداء الأمة العربية معوقا للحلول الاستسلامية، الأمر الذي جعل اغتياله - رحمه الله - خسارة فادحة ليس للمملكة العربية السعودية فحسب، بل للعرب والمسلمين عامة، وللفلسطينيين خاصة الذي فقدوا بوفاته زعيما قويا حمل مسؤولية الدفاع عن قضيتهم، وجعلها همه الأول.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات